تطورات المشهد اليمني .. تقدير موقف
موقع إذاعـــــة ٢١ سبتمبـــــر - تقرير: أ عزيز القاسم
لا تُقاس دلالة التحرير اليمني للساحل الغربي وباب المندب فقط بمساحة الأرض التي سيطر عليها الجيش اليمني، وإنما بما توفره هذه الأرض من مكانة استراتيجية للجمهورية اليمنية وبما تمنحها من أوراق قوة اقتصادية وعسكرية وأمنية وسياسية.
أحدثت عملية تحرير الجيش اليمني للساحل الغربي ومدينة المخا وباب المندب، زلزالاً كبيراً وصدىً واسعاً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، كانعكاسٍ مباشرٍ لمدى أهمية الحدث، وتجاوزه للأهمية العسكرية للمعركة، ليصل إلى ما يمكننا وصفه بتحولٍ استراتيجي ستكون له انعكاسات إقليمية ودولية، وسيساهم بتغيير موازين القوى داخل اليمن، وفي البحر الأحمر، وفي الإقليم، وسيؤثر في حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
يرى العديد من الخبراء أن سيطرة الجيش اليمني على كل هذه المساحة البالغة أكثر من (4500) كم، في محافظتي تعز والحديدة، إلى جانب الجزر اليمنية (حنيش الكبرى والصغرى وزقر وميون)، لا تمثل مجرد توسع جديد في مساحة سيطرة صنعاء، وإنما هو تحوّل سيعيد تشكيل شبكة العلاقات لدول المنطقة والعالم مع صنعاء.
لقد بات من الواضح أن التطور الميداني الأخير يتجاوز الحرب داخل اليمن؛ فالمخا وحنيش والساحل الغربي تقع في مساحة شديدة الحساسية لاتصالها المباشر بباب المندب والبحر الأحمر، فضلاً عما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات على القرن الأفريقي وحركة الملاحة والتجارة الدولية. وهنا بإذن الله سنقدم تقدير موقف على المستوى المحلي والإقليمي والدولي بناءً على المواقف الثابتة، والمؤشرات الجديدة لما بعد الحدث.
تقدير الموقف على المستوى الوطني:
تأتي عملية تلك المناطق الاستراتيجية للساحل الغربي، متسقة مع استراتيجية صنعاء القائمة على الاستقلال الكامل والسيادة التامة منذ قيام ثورة 21 أيلول/سبتمبر 2014، ولهذا فقد عملت صنعاء لأكثر من عشر سنوات على التصدي للعدوان الذي قادته السعودية تحت مسمى “عاصفة الحزم” في آذار/مارس من العام 2015، وبعد سنوات من المواجهة استطاعت تحرير العديد من المحافظات اليمنية المحتلة، لكن المناطق الاستراتيجية في الجغرافيا اليمنية ظلت تحت النفوذ الخارجي، وفي هذا السياق جاءت عملية تحرير الساحل كحلقة ضمن المشروع الوطني التحرري، القائم على ضرورة تحرير اليمن واسترداد سيادته، وبناء دوره الإقليمي ضمن إطار مواجهة قوى الاستكبار والهيمنة وحلفائهم في المنطقة.وفي هذا الإطار (الاستقلال والسيادة) عملت صنعاء على الانتقال من سياسة التأثير على الساحل وباب المندب عن بُعد، إلى فرض حضور ميداني مباشر على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. باعتبار فرض السيادة اليمنية على الساحل وباب المندب، يمنح صنعاء ورقة ضغط جيوسياسية مهمة، نظراً للأهمية الاستثنائية للمضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة مؤثرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ولهذا كانت القيادة اليمنية تدرك جيدا بأن نجاح الاستراتيجية اليمنية مرهون بالسيطرة على الساحل وباب المندب، وتوظيفه في معادلات القوة اليمنية كوسيلة ضغط على السياسات الإقليمية والدولية، التي تنفذها الرياض والتحالف الغربي، والتي تُسخر كل امكانياتها لمنع اليمن من الاستقلال والسيادة.
تقدير الموقف على المستوى المحلي:
تشكل عملية تحرير المخا والساحل وباب المندب ضربة كبيرة للقوى والمليشيات المدعومة من السعودية في الساحل الغربي، ليس فقط بسبب خسارة المدينة والساحل، وإنما بسبب ما كانت تمثله من دور كبير وأساسي للقوى الخارجية التي عملت خلال السنوات الماضية على تحويل تلك المنطقة الى مركز عسكري وسياسي ولوجستي رئيسي لاستهداف الجيش اليمني والقوى الوطنية في صنعاء، وكحصان طروادة لعودة النفوذ الخارجي وخاصة السعودي والأميركي.فعقب سيطرة قوى الغزو والاحتلال على منطقة باب المندب والمخا وأجزاء مهمة من الساحل الغربي نهاية العام 2017، عملت السعودية والإمارات وبالتعاون مع (أميركا وبريطانيا وكيان العدو الإسرائيلي) عملت على تحويل تلك المنطقة إلى إحدى أهم نقاط تمركز المليشيات اليمنية الحليفة لهم، واستغلال مينائها ومطارها وموقعها الرابط بين الساحل الغربي ومحافظة تعز والمناطق الجنوبية في خدمة أجندتهم وبسط نفوذهم على هذه المنطقة الاستراتيجية من الجغرافيا اليمنية، وبتحرير الجيش اليمني لهذه المناطق تمكنت صنعاء من القضاء على أخطر المشاريع الخارجية، وعلى أقوى تهديد كان سيطالها من قبل القوى والمليشيات اليمنية المدعومة من السعودية والقوى الغربية.
إن تعزيز نفوذ صنعاء في هذه المنطقة، سيراكم لديها أوراق القوة، وسيرفع وزنها التفاوضي في أي ترتيبات أو مسارات سياسية إقليمية ودولية مرتبطة بالملف اليمني. كما سيساهم وبشكل كبير في عزل قوى المرتزقة المتحالفة مع القوى الخارجية، وسيقلص هامش القوة لتلك القوى في كل المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرتهم .
كشف الانهيار السريع للمليشيات والقوى اليمنية في الساحل الغربي محدودية القوة العسكرية التي بنتها السعودية، وتعدد القيادات والولاءات، وضعف التنسيق بين التشكيلات التابعة لها، كما أعاد الخلاف السعودي الإماراتي إلى واجهة النقاش داخل معسكر المرتزقة، بعد تحميل الانتقالي إقصاء قواته مسؤولية الفراغ العسكري، ومحاولة حزب الإصلاح تثبيت الحليف السعودي باعتباره القوة القادرة على التعبئة في تعز ومأرب.
بعد الخسارة العسكرية، وبعد الفشل الميداني ستعمل حكومة المرتزقة على نقل المعركة إلى المؤسسات الدولية والدول الأوروبية، وستعمل على تقديم السيطرة اليمنية على باب المندب باعتبارها تهديداً للتجارة والطاقة، وتقوم هذه المقاربة على فصل التطور العسكري عن سياقه اليمني السعودي وتحويله إلى قضية دولية تستدعي وجوداً بحرياً وعقوبات وضغطاً سياسياً وربما غطاءً لعمليات عسكرية لاحقة.
لقد بات من شبه الواضح من خلال قراءتنا لكل المواقف الرسمية اليمنية بصنعاء بأن الزلزال الجيوسياسي اليمني لن يتوقف في هذه النقطة، بل ستتم مواصلة الطريق إلى كامل الأراضي اليمنية، -بغض النظر عن الألية التي ستتعامل بها صنعاء مع المحافظات والقوى الجنوبية – لكن ما هو مُؤكد أن قطار التحرير لن تتوقف عجلاته في الساحل الغربي.
السعودية: صعوبة الخيارات:
كشف طلب محمد بن سلمان تدخّلاً عسكرياً أميركياً مباشراً في اليمن – بحسب ما ذكرت العديد من وسائل الإعلام الأميركية – أنّ الرياض تنظر إلى خسارة الساحل بوصفها أكبر من قدرة قوات المرتزقة على معالجتها، وأنها تخشى تحمّل كلفة المواجهة وحدها، خاصة بعد نقل الجيش اليمني المعركة إلى الجغرافيا السعودية وضرب خط أنابيب شرق غرب، وارتفاع حساسية باب المندب في تأمين صادرات النفط السعودية.ولهذا ستزيد السيطرة اليمنية على المخا من تعقيدات المشهد الأمني المرتبط باليمن والسعودية، فخلال السنوات الماضية ارتبط التهديد اليمني للسعودية بالحدود الجنوبية والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، إلا أنّ اتساع نفوذ صنعاء على الساحل الغربي سيضيف البحر الأحمر إلى الحسابات بصورة أكبر.
تمتلك المملكة ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، ولديها منشآت اقتصادية وموانئ ومسارات لتصدير الطاقة عبر الساحل الغربي، وكل هذا أصبح اليوم مهدداً وتحوّل إلى ورقة استراتيجية بيد صنعاء.
ولهذا لا يُستبعد أن تنخرط الرياض في أي مشاريع إقليمية أو دولية لمنع صنعاء من تحويل المكاسب الأخيرة إلى وضع عسكري مستقر يسمح لجيشها بتوسيع نطاق عملياته البحرية أو زيادة قدرته على تأمين الملاحة.
تفتقر المملكة السعودية الى جيش بري قوي. وحتى مع وجود مستشارين أميركيين — وقد أُرسل المئات منهم مؤخراً إلى الرياض — فإن شنّ هجوم بري سعودي ذي شأن لن يكون ممكناً قبل أشهر، في أقرب تقدير. كما أن نجاحه حتى ولو كان بدعم من تحلف مكة (السعودية وباكستان وتركيا) سيكون صعباً إن لم يكن مستحيلاً باعتبار تجارب السنوات الماضية أثبتت عجز ذلك الجيش السعودي – رغم الدعم والمشاركة الدولية والإقليمية – عن حماية حدود المملكة التي استطاع الجيش اليمني وبسلاحه الشخصي التوغل في العمق السعودي والسيطرة على مدن كاملة كالربوعة التي عجزت المملكة عن استعادتها إلا من خلال المفاوضات، هذا فضلاً عن بناء اليمن لمنظومة ردع قادرة على إجبار المملكة على عدم المغامرة إطلاقاً.
كما أنّ غزواً برياً أميركياً بدعم ومشاركة سعودية لاستعادة الساحل شبه مستحيل باعتباره سيكون مكلفاً، ومغامرة غير محسوبة، فضلاً عن غرق واشنطن في المستنقع الإيراني ومضيق هرمز، وكذلك أنّ أميركا مقبلة على انتخابات منتصف الولاية.
كيان الاحتلال الاسرائيلي:
تنظر المؤسستان الأمنية والسياسية إلى عملية التحرير اليمني للساحل الغربي وباب المندب، باعتبارها “أكثر من مجرد تطور محلي يخص اليمن، بل يرى مسؤولون عسكريون أن الوضع ينطوي على خطر محتمل، ليس على “إسرائيل” وحدها، بل على الدول التي تعتمد على هذا الممر البحري أيضاً”، وفقاً لما نقلته يديعوت أحرونوت عن مسؤولين صهاينة.كما ينظر قادة الكيان إلى التطور الأخير باعتباره عملية تسعى صنعاء من خلالها الى تكريس نفسها كقوة أمر واقع تمتلك أوراق تأثير مباشرة على أمن البحر الأحمر، وعلى وأحد من أهم الممرات البحرية الدولية، بما يساهم في تغيير المعادلات السابقة وإقامة معادلات جديدة.
كما يرى العديد من الباحثين والمختصين الصهاينة بأنّ عجز المحور المعادي لليمن يمثّل فشلاً استراتيجياً، وفي هذا الاطار يصف داني سيترينوفيتش، الباحث البارز في برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) وضابط الاستخبارات السابق، هذا التطور “بأنه أحد أشد الإخفاقات الاستراتيجية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ووفقاً له، كان الحوثيون قادرين على تعطيل حركة الملاحة حتى من قبل، لكن السيطرة الإقليمية على المنطقة تغيّر المعادلة. فهي تمنحهم، “مرونة عملياتية أكبر بكثير للتهديد والتعطيل.