الحرب الشيطانية على منظومة القيم والإنسانية

موقع إذاعة 21 سبتمبر. تقرير/ إبراهيم محمد الهمداني

تحتفظ الذاكرة الإنسانية الجمعية – في مسار تاريخ الصراعات والحروب – بالكثير من الوقائع والأحداث والمواقف، المرتبطة بمختلف صور الشجاعة والتضحية، التي صنعت النصر المشرف، وعلى النقيض منها، المواقف المرتبطة بصور الضعف والاستل17اب، التي فرضت وصنعت واقع الهزيمة، ولم يكن كل نصر مشرفا، إلا بمقدار انتصاره للقيم الإنسانية، كما أن الهزيمة الميدانية قد تكون مشرفة، إذا كانت انتصارا لقيم ومبادئ الحق والعدل، وهو ما يؤكده منطق التاريخ الإنساني، وما حاولت الأطراف المتحاربة – عبر التاريخ – التحلي به، والحفاظ على ثوابته والاحتكام لقوانينه، أو التظاهر بذلك على أقل تقدير، وكانت منظومة “أخلاق الفرسان/ المتحاربين” كعرف اجتماعي إنساني، هي المعيار الأساس في الحكم على قيمة الحرب ذاتها، ثم الحكم على قيمة نتائجها، وتحديد القيمة الدقيقة والحقيقية للنصر أو الهزيمة، وطالما كان للخصومة والعداوات والحروب شرف مقدس، يسقط عن منتهكه قيمته الإنسانية ومكانته الاجتماعية والسياسية، وتوجب على الجميع التخلي عنه ونبذه والتبرؤ منه، مهما كانت سلطته وقوته ومكانته، لأنه أصبح يمثل العيب والعار والشنار الخالص، ولذلك يكون أهله وأقاربه وعشيرته، هم أول من يتخلى عنه ويتبرأ من عار فعله، وربما قتلوه بأيديهم ليغسلوا عارهم، ولن يعفيه من ذلك حتى كونه كبير قومه وعشيرته، وإنما ذلك هو العيب في أخزى صوره، والعار في أنهى انحطاطه.
لذلك لم يكن كل نصر مشرفا، ولم تكن كل هزيمة خزيا؛ فالنصر العسكري الميداني، المبني على الغدر والنكث وعدم تكافؤ القوى، هو هزيمة أخلاقية قيمية إنسانية نكراء، والهزيمة الميدانية المنظورة واقعيا، في سبيل الوفاء للقيم والمبادئ والأخلاق، هي تجسيد لحقيقة “انتصار الدم على السيف”، في أبهى تجلياتها وأنقى وأشرف صورها، وفي الجانب الآخر كانت العمالة والخيانة، والوقوف إلى جانب العدو، تمثل أحقر مظاهر السلوك البشري، وأحط حالات سقوط الشرف الإنساني بالإجماع، ولا خلاف على ذلك مطلقا، كونه سلوكا شائنا وعارا كائنا مخالفا للفطرة الإنسانية، والفطرة الحيوانية أيضا، فحتى الحيوان لا يمكن أن يقف في خدمة عدوه ضد بني جنسه، وهو ما يؤكد سقوط مبررات جرم الخيانة، وزيف دوافع انحطاط العمالة، المنافية لكل منطق، والمخالفة لكل عقل وفطرة سليمة، وإن التذرع بالخوف أو الجوع، لا يعدو كونه عذرا أقبح من ذنب، ما دامت السنن الإلهية الحتمية تؤكد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي “أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف”.
ونظرا لقبح وشناعة فعل الخيانة والعمالة، يقدم التاريخ بعض نماذجها الفردية على استحياء، خجلا من سرد ذلك العار على مسامع الأجيال، لولا ما تقتضيه أمانة النقل وفائدة العظة والعبرة، ومنذ خيانة “أبو رغال” الملعون تاريخيا وجغرافيا، لم يشهد التاريخ – حسب اطلاعي – خيانة أشد قبحا ولا أعظم جرما، من حالات الخيانة والعمالة في عصرنا الراهن، التي تجاوزت البعد الفردي الشخصي، إلى التشكيل الجمعي والممارسة الجماعية، في مشهد علني سافر، يزعم أن سلوك الخيانة حرية شخصية، ويروج للعمالة بوصفها ضربا من الحكمة والتعقل، إيثارا للسلامة وطمعا في دوام المصلحة الآنية، حيث لم يتوقف مسار الانحدار القيمي والأخلاقي، في منظومة الحضارة الغربية، عند الترويج للعمالة والخيانة تحت مسمى “الحياد”، وإنما قُدمت كسلوك إنساني طبيعي، ومُنح الشذوذ والانحراف حق الوجود، انطلاقا من فلسفة تعدد الرؤى وحرية الاختيار، تحت مظلة مقولات الحضارة الغربية، وآخر ما توصلت إليه من أنماط المظاهر الحياتية.
غير أن المفارقة الأشد قبحا والأكثر تناقضا وصلفا، أن مخرجات الحضارة والتطور الغربي، في مجتمعنا العربي والإسلامي، تختلف عن تلك التي في المجتمع الغربي، رغم أن مقولات ومنطلقات الحداثة الغربية – كمشروع حضاري إنساني – واحدة، فبينما يروج ويدعو زعماء الغرب الإمبريالي، إلى الشذوذ بوصفة قيمة حضارية ومؤشر تطور ورقي، تتم تحت هذا البند صناعة زعماء وقادة ورؤساء العرب والمسلمين، ليتم من خلالهم إنتاج جموع الخونة وحشود العملاء، في أقبح وأحط مشاهد السقوط الجماعي، التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا، ولم توجد إلا على الساحة العربية والإسلامية فقط، بينما تخلو ساحة الغرب “الحضاري” منها، ولم نر حالات مشابهة في أي بلد غربي، الأمر الذي يجعلنا نوقن أن احتشاد جموع الخونة وحشود العملاء وجحافل المرتزقة، تحت راية الغرب الإمبريالي الاستكباري، المتبني للشذوذ والانحراف الأخلاقي والقيمي، ليس إلا بعض الصورة المرعبة، لطبيعة المعركة الراهنة والحرب الوجودية القائمة، بين محور الجهاد والخير والفضيلة، في أبهى وأنصع صوره، ومحور العدوان والشر والرذيلة، في أقبح مظاهره وتجلياته، وهو يستميت في إرساء قيم العار ومعايير الانحطاط الغربي، محل قيم الشرف ومعايير الرقي القرآني الإسلامي.
إن مخاطر هذه الحرب الوجودية الفاصلة، لا تكمن في سقوط المدن والدول والأقاليم، بقدر ما تكمن في سقوط المبادئ وانحطاط الأخلاق وانهيار منظومة القيم الإنسانية، كما أن عمليات اغتيال قادة الجهاد والمقاومة، أهون وأقل خطرا من اغتيال العقل والبصيرة، وإسقاط معايير التقييم والتفكير، ويمكن القول إن التداعيات الكارثية لهذه الحرب الكونية، تتجاوز المألوف من عمليات القتل والإبادة الجماعية الجسدية، إلى أخطر مظاهر الإبادة الفكرية والقيمية والإنسانية، والإعلاء من شأن التبعية وثقافة الاستلاب، وصناعة التكتلات والولاءات من خلال الجماعات الوظيفية المحلية، التي تمارس الخيانة الجماعية علنا، وتمتهن العمالة والتبعية صراحة، وتحترف الارتزاق والقتل الوظيفي، بكل دقة وتمكن في التوحش والإجرام، بوصفهم جماعات وكيانات وأنظمة معروفة، وربما حكومات تشكلها وتصنعها القوى الاستعمارية، وتخلع عليها صفة “الشرعية”، لتمارس ذلك الدور الوظيفي الإجرامي القذر، بكل جرأة وقبح وصلف وانعدام حياء مطلقا.
ذلك هو عصر الانحطاط الترامبي، حيث سقطت منظومة “أخلاق الفرسان/ المتحاربين”، وانتهكت الخطوط الحمراء وجميع المحظورات والمقدسات علنا، ولم يستح المهزوم الترامبي المستكبر، من تمثيل دور البطل المنتصر، بذلك المستوى من الأداء البائس والسقوط الفج، وهو يملي شروط السلام على المنتصر الجهادي المقاوم، وعلى غرار ذلك الانحطاط الترامبي المهين، مضى قطعان حلفاء ترامب – أفرادا وجماعات – مهزومين بائسين، من خريجي جزيرة الصهيوني المجرم جيفري #أبستين #قاتل_الأطفال ومغتصبهم، وآكل لحوم البشر، مؤسس النهج الترامبي الشيطاني، وصانع قادة التحالف الاستكباري الإجرامي، حيث لم يكن #أبستين مجرد شخص واحد، وإنما منهج شيطاني كامل، يسير على خطاه كل حلفاء وعملاء وخدام الصهيونية العالمية، في عموم كل بقاع العالم، والوطن العربي والإسلامي على وجه الخصوص.