اليمن ومحور المقاومة قراءة تحليلية: تحولات الجغرافيا (5)
بقلم / عزيز القاسم – باحث في العلاقات الدولية
مما ينقل عن الزعيم الفرنسي التاريخي نابليون قوله (إنّ سياسة الدولة في جغرافيتها) ويقول الواقع اليمني إنّ جزءاً أساسيا مما يحدث في اليمن يكمن في جغرافيتها.
بحساب القراءة الاستراتيجية فاليمن عبارة عن رقعة جغرافية تمتلك كلّ مقوّمات القوّة والنهوض، بل قد نرى بأننا لم نجانب الصواب إذا قلنا إنّه قوّة كامنة يُخشى نهوضها، فاليمن يتمتع بموقع جغرافي مطلّ على ثلاث مسطّحات مائية وعلى مضيق بحري حيوي ومساحة مهمة من اليابسة، وقلّما يتوفّر ذلك في بلد واحد، فمضيق باب المندب وحده منفذ تتقاتل على مثله كل الدول التي تروم الهيمنة على الاقتصاد العالمي، وجزيرة مثل سقطرى بما تملكه من موقع ذو بعدين الأول: استراتيجي والثاني: اقتصادي، أمّا مدينة مثل عدن فلو كانت بين يدي نظام يحسن استغلال ثروات بلاده لاستطاع أن يجعل منها القبلة الأولى لكل الملاحة الدولية بدلا من العديد من المدن المطلة على الخليج العربي كمدينة دبي وغيرها لكنّ الواقع يقول أن الأنظمة الوظيفة لا تستطيع مغادرة الخطوط المرسومة لها حتى ولو على حساب المصالح الوطنية.
حاز الموقع الجغرافي للجمهورية اليمنية على مجموعة من الخصائص والصفات ذات الأهمية الجيوبوليتيكية لها، وللدول الجوار. إذ تشكل اليمن مع دول الخليج كتلة استراتيجية واحدة، فاليمن يشرف على الجزء الجنوبي للبحر الأحمر، وهناك تداخل وثيق بين مضيقي هرمز وباب المندب، الذي يمثل طريق للناقلات المحملة بنفط الخليج باتجاه أوروبا، فضلا عن ذلك يربط حزام أمن شبة الجزيرة العربية والخليج العربي ابتداء من قناة السويس، وانتهاء بشط العرب، وهذا ما جعل اليمن تحتل بموقعها أهمية كبرى واستثنائية، خصوصًا بالنسبة لكل من إيران، والسعودية، ودول المنطقة[1].
الأهمية الاستراتيجية لليمن:
تتجلي الأهمية الاستراتيجية لليمن بموقعه الجغرافي، وما تحويه الجغرافيا اليمنية من موارد وثروات هائلة، فضلا عن رصيد كبير من الإرث الحضاري والثقافي للشعب اليمني الأكثر تميزاً في شبه الجزيرة العربية.
زاد من الأهمية الاستراتيجية للجغرافيا اليمنية إشرافها على مضيق باب المندب، الذي يُعد الثالث عالميا من حيث الأهمية بعد مضيقي ملقا وهرمز. واشراف اليمن على جبهتين مائيتين، تمتدان على مسافة وقدرها 2500 كم، الأولى تطل على بحر العرب وخليج عدن جنوبا، والثانية على البحر الأحمر غربا. فضلاً عن امتلاك اليمن لأكثر من 183 جزيرة تختلف أهميتها تبعًا لموقعها، ومساحتها، ومدى إمكانية الاستفادة منها اقتصاديًا وعسكريًا، وتضاعف في مجملها من تعظيم الموقع الاستراتيجي لليمن، لما تتيحه من ميزة الانتشار والتوزيع للمراكز الاستراتيجية، وتأتي جزيرة سقطرى في مقدمة تلك الجزر؛ لأنها أكبرها مساحة، وعقبة للقفز إلى البر الآسيوي “الجزيرة العربية”، وإلى البر الأفريقي، بالإضافة إلى موقعها على أعظم طريق لنقل النفط في مناطق إنتاجه في الخليج العربي إلى أوروبا وأمريكا عبر باب المندب وقناة السويس[2].
أطماع القوى الغربية في اليمن:
تمثل السيطرة على هذا الموقع الجغرافي لليمن، والتحكم بمضيق باب المندب حاجة استراتيجية لدى الولايات المتحدة الامريكية، وكذلك لدى القوى العالمية الكبرى الصاعدة وفي مقدمتها الصين وروسيا، إضافة الى حاجة القوى الإقليمية الكبرى المتنافسة والراغبة في توسيع نفوذها الإقليمي لضما أمنها الإقليمي والاستراتيجي”[3].
الأهمية الاستراتيجية للجزر اليمنية:
ولكي نفهم الدور الاستراتيجي الذي منحته تلك الجزر للجغرافيا اليمنية يمكننا القول أنها منحت اليمن تحكم شبه كامل في حركة ملاحة السفن التجارية، والعسكرية، العابرة، والتي ترسو في محيط المياه الإقليمية اليمنية، سواء في حالة الحرب أو السلم، وهذه الميزة تعطي اليمن مكانة سياسية من الناحيتين الجيوبولتيكية، الجيوستراتيجية.
كما يمكن للجمهورية اليمنية استغلال الجزر اليمنية من خلال بناء قواعد عسكرية بحرية، وجوية، لتعزيز السيادة اليمنية، على أن تشكل تلك القواعد الخط الدفاعي الأول للأراضي، والمياه الإقليمية اليمنية من جهة، وكذلك لحماية الأمن القومي اليمني والعربي من أي تهديد خارجي.
تُؤكد النظريات الاستراتيجية إن الموقع الجغرافي ثابت ولا يتغير، وبهذا يمكننا القول إن كل ما يحتاجه اليمن لاستثمار كنوزه ومكانة الاستراتيجية، هو وجود قيادة يمنية وطنية حقيقة، وهذا ما توفر لليمن بعد ثورة سبتمبر 2014م بقيادة حركة أنصار الله وما قدمته تلك الثورة من مشاريع النهوض و التغيير الشاملة لليمن كشعب وبلد وجغرافيا، اذ استطاع يمن الثورة اليوم توظيف موقعه الاستراتيجي في واحدة من أهم معارك الامة العربية والإسلامية، وهي معركة طوفان الأقصى وهذه المعركة اطلق عليها قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الحوثي حفظه الله “معركة الفتح الموعود والدفاع المقدس”، بعد العدوان الأمريكي البريطاني على السيادة اليمنية كعقاب له على موقفه الإنساني من العدوان الصهيوني على غزة.