اليمن القوة البحرية وأثر ذلك على محور الجهاد والمقاومة (1)

بقلم / عزيز القاسم – باحث في العلاقات الدولية
يذكر التاريخ اليمني بأن التهديد الأول لكل الحضارات والدول والممالك اليمنية كان يأتي من وراء البحار، فمنذ زمن الاغريق وحتى الإعلان الأمريكي عن تأسيس ما سمى (بتحالف الازدهار) في ديسمبر 2023، مثلت السواحل اليمنية الخاصرة الرخوة في الجغرافيا اليمنية، بل يؤكد لنا التاريخ اليمني أن اليمن لم يُغزى من البر مطلقا، ولهذا يمكننا القول أن عماد أي استراتيجية دفاعية يمنية تكمن في بناء قوة بحرية قادرة على الدفاع عن الجغرافيا اليمنية ومحيطها الاستراتيجي، وهذا ما تدركه القيادة الثورية اليمنية جيدا.
بناء القدرات من الصفر:
منذ قيام الثورة اليمنية 1962م، وحتى قيام ثورة 21 سبتمبر 2014م، لم تمتك الدولة اليمنية قوات بحرية، ولا أي تشكيلات قادرة على حماية المياه اليمنية. وكل ما كان يمتلكه اليمن قبل ثورة سبتمبر العام 2014م، هو عبارة عن قاعدة بحرية في الحديدة، تحتوي على بعض أسلحة الدفاع الساحلي المتقادمة، قالت بعض المصادر العسكرية إن الحكومة ما قبل ثورة 2014م عملت على إعادة تأهيل تلك القاعدة البحرية من خلال   الاستعانة بخبراء صينيين، لكن تم توقيف الموضوع من خلال قدرة قادر لا يعمله الا الراسخون في العلاقات الدولية.
ورغما عن كل ذلك، ومنذ الأيام الأولى لقيام تحالف العدوان بالحرب على اليمن في 26 من مارس العام 2015م، فقد كانت القدرات البحرية اليمنية من أولويات أهداف تحالف العدوان، حيث تعرّضت الأسلحة – رغم بساطتها وقدمها-  التابعة للدفاع الساحلي اليمني، في النصف الأول من 2015، لتدمير شبه كلي بعشرات الغارات، وهو ما عدّته القيادة اليمنية مؤشراً إلى وجود مخطّط يستهدف الساحل الغربي لليمن والموانئ الواقعة فيه، لهذا عملت القيادة الثورية اليمنية على بناء قوات بحرية في ظروف استثنائية، وسخرت جزءا كبيرا من المشروع الوطني الدفاعي لتطوير القدرات البحرية في شتى المجالات الدفاعية والقتالية والأمنية، وخلال ما يقرب من خمس سنوات وتحديداً منذ مطلع عام 2020 امتلك اليمن قوات بحرية شملت شتى التشكيلات البحرية، وبهذا أكتمل الضلع الثالث من القوات الرئيسة التي تتشكل منها القوات المسلحة اليمنية. وخلال فترة التطوير وإعادة البناء، تمكّنت تلك القوات من تنفيذ العديد من العلميات البحرية ضد سفن تحالف العدوان، واستطاعت إفشال عددا غير قليل من عمليات الإنزال البحري التي حاولت دول التحالف تنفيذها لاحتلال الساحل اليمني، وفصل غرب البلاد عن الداخل وخاصة خلال معركة الساحل الغربي 2018م.
أهم العمليات البحرية:
استطاعت القوات البحرية اليمنية تنفيذ العديد من العمليات البحرية، والتي كان أبرزها استهداف السفينة الإماراتية “سويفت” عام 2016، وتكمن أهمية هذه العملية في أنها أكدت أن البحرية اليمنية ستشكل واحدة من أهم القوى وأكثرها تأثيراً في الحرب المفروضة على الشعب اليمني.
لكن التطور الأبرز في القدرات البحرية اليمنية، جاء بعد اعلان الجيش اليمني في تشرين الثاني 2017، أن لديه سلسلة من الصواريخ البحرية المحلية التي تسمى “المندب 1”.
ووفقا للإحصائيات الصادرة عن وزارة الدفاع اليمنية بصنعاء فإن القوات البحرية وقوات الدفاع الساحلي تمكّنت، بين 2015 و2021، من تنفيذ أكثر من 34 عملية نوعية استهدفت سفناً وفرقاطات وزوارق حربية على امتداد الساحل الغربي الممتد من محافظتي حجّة والحديدة، وصولاً إلى قبالة باب المندب بمحافظة تعز.
في مارس من العام 2022م وخلال خطاب رسمي له أكد قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله: أن القوة البحرية نهضت من نقطة الصفر بفعالية عالية وردع تام لقوى العدوان عن مهاجمة أي مدينة ساحلية، مضيفا: هناك عمل كبير لتطوير القوة البحرية وستظهر نتائجه في المستقبل القريب إن شاء الله.
المعادلة البحرية تتغيّر
بعد مرور ما يقرب من نصف عام على كلام السيد عبد الملك بدر الحوثي وتحديداً في أيلول 2022، ومن مدينة الحديدة المطلة على البحر الأحمر، كشفت القوات المسلحة اليمنية عن اكتمال تطوير وبناء قوات ردع بحرية، وذلك خلال عرض عسكري أطلق عليه اسم «وعد الآخرة»، شارك فيه أكثر من 25 ألف مقاتل من قوات المنطقة الخامسة والقوات البحرية والدفاع الساحلي والقوات الجوية والدفاع الجوي. وخلال ذلك العرض العسكري كشفت  القوات اليمنية أن المعادلة العسكرية البحرية تغيرت وأن هناك إعادة رسم للمعادلة تتحكم صنعاء في مجرياتها وفي توقيتها، كما كشفت القوات اليمنية لأول مرة  عن إدخالها أسلحة بحرية جديدة ، منها صواريخ «مندب 2» بعيد المدى، و«فالق 1» متوسط المدى، وهما صناعة يمنية محلية، ومنظومة «روبيغ» الروسية المتطورة بعيدة المدى، والتي تُستخدم لضرب السفن والغواصات في أعالي البحار،  وتعدّ أحد أهم الأسلحة التي تملك قدرة على إحداث تدمير كبير وإغراق بوارج عسكرية. وهذا النوع من الصواريخ البحرية يصل مداه إلى 80 كيلومتراً، ووزن رأسه الحربي يصل إلى 513 كيلوغراماً من إجمالي وزن الصاروخ البالغ 2523 كيلوغراماً، وسرعته إلى 1100 كيلومتر في الساعة. كما كدت القوات المسلحة اليمنية أن ثمة أسلحة بحرية نوعية تجاوزت المرحلة التجريبية لتصل إلى مستوى الجاهزية. وفي أعقاب العرض العسكري المذكور، أعلنت صنعاء امتلاكها أسلحة بحرية نوعية كفيلة بفرض سيادتها على كل المياه الإقليمية اليمنية لأول مرة منذ عقود، فضلاً عن إمكان استهداف أيّ هدف معادٍ في أيّ نقطة في البحرين الأحمر والعربي.
يتبع
اليمن القوة البحرية وأثر ذلك على محور الجهاد والمقاومة (2)
البحرية اليمنية التحول الاستراتيجي 1-2