اليمن ومحور المقاومة قراءة تحليلية: دوافع المناصرة اليمنية للشعب الفلسطيني (1)

بقلم / عزيز قاسم 
بدرجة موازية لما أحدثه طوفان الأقصى من متغيرات استراتيجية في المنطقة، استطاع اليمن بموقفه المساند للشعب الفلسطيني اكمال قوس تلك المتغيرات التي قد لا يجادل كثير من الخبراء والمختصين في أن ما حدث يمكن وصفه، بأنه َأوسع من تجاوزٍ الخطوط العريضة المرسومة في المنطقة، وتغييرٌ لقواعد الاشتباك، الى فرض معادلات جديدة يجرى رسمها وفقا للمصالح الوطنية والقومية للمنطقة ولشعوب المنطقة.
دخول اليمن على خط معركة طوفان الأقصى ضد الكيان الصهيوني، بكل هذا الزخم عبر مراحله التي وصلت  الى المرحلة الخامسة – وكان يجرى التجهيز ووفقا لما أعلنه السيد عبدالملك الحوثي حفظه الله، للمرحلة السادسة-  فضلا عن الفشل الأمريكي البريطاني الغربي ليس في منع اليمن من مساندة فلسطين،  بل في التصدي للهجمات اليمنية التي طالتهم في العديد من البحار.
يرى العديد من الخبراء أن اليمن خلال مراحل الاسناد اليمني، استطاع فرض نفسه رقماً صعباً في التحولات الإقليمية والدولية، وأكمل ضلعاً أساسياً في بناء محور مقاوم؛ سيكون قطباً وازناً في التحولات إن لم يكن على المستوى الدولي فعلى المستوى الإقليمي على أقل التقديرات.
ولمقاربة محايدة لوصف ما حدث فيمكننا القول: إن الواقع الجديد الذي فرضه اليمن؛ كان تعبيراً عن فائض القوة التي تراكمت لدى اليمن -قيادة وشعباً- على مدى السنوات الماضية، مضافاً إليها التجارب العسكرية من الحروب، وآخرها عدوان التحالف الأمريكي السعودي الإماراتي الغربي على اليمن؛ والمستمر منذ  سنوات.
على درجة مقاربة لما صنعه الموقف اليمني من تحولات كبرى، كان هناك التفاتة يمنية وعربية وإسلامية وعالمية الى القوة الجديدة المتشكلة على الجغرافيا اليمنية، تجلت في موجة عارمة من الأسئلة والاستفهامات، عن اليمن الجديد المتشكل في ضل ثورة ال 21 من سبتمبر 2014:
أي يمن جديد هذا الذي استطاع فرض كل هذه المغيرات المهمة في المنطقة؟ كيف استطاع وهو البلد الُمحارب منذ ما يقرب من عشر سنوات اتخاذ هذا الموقف الفريد من العدوان الصهيوني الغربي على الشعب الفلسطيني؟؟ كيف استطاع اليمن الذي يُعد من أفقر الدول العربية وأقلها إمكانيات أن يتخذ هذا الموقف رغم علمه يقينا بالتبعات الكبرى المترتبة على ذلك القرار؟؟ وأي قوة جديدة تشكلت في اليمن قادرة على اجتراح المعجزات لمناصرة الشعب الفلسطيني؟؟ .
كما أعاد الى الاذهان العديد من الاستفهامات عن حرب التحالف على اليمن، لصالح من كانت تلك الحرب؟ وهل كانت حقا لإعادة اليمن الى الحضن العربي؟ وأين التحالف العربي من الدفاع عن فلسطين؟؟ كما طالت تلك الاستفهامات القوة اليمنية الجديدة (حركة أنصار الله) التي تصدرت المشهد اليمني منذ ثورة سبتمبر 2014م من هم أنصار الله؟؟ ما هو مشروعهم؟؟ هل حقا هم أحد الأدوات الإيرانية في المنطقة؟ أم أنهم حركة يمنية لديها مشروع إسلامي وطني؟ كيف استطاعت تلك الحركة قيادة الشعب لمواجهة عدوان التحالف على مدى السنوات الماضية؟ وكيف انتصرت عليه ؟ ما دوافع أنصار الله للانخراط الكامل في مناصرة الشعب الفلسطيني؟؟ ما حساباتهم هل هي دينية؟؟ أم سياسية؟ هل تمثل حركة أنصار الله نموذجا مختلفا من الحركات الإسلامية على الساحة العربية والإسلامية؟ كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير ستكون بإذن الله محورا لسلسلة من المقالات المخصصة لموقع (21 سبتمبر) في محاولة للإجابة على معظم تلك الأسئلة.
قد لا نكون مفارقين للمنطق أن تبدأ مقاربتنا لحلحلة بعض تلك الأسئلة بالحديث عن الجانب السياسي وما فرضه الموقف اليمني لدى المتابعين من صعوبة في فهمه وتفسيره وفقا للمنطق السياسي الخاضع لحسابات الربح والخسارة في شكلها المادي فقط، لماذا اختار اليمن الانخراط الكامل في مناصرة شعب فلسطين؟ هل يدرك اليمنيون ما تبعات ذلك القرار؟ ألا يعملون أن المنطقة والعالم محكوم بحسابات القوة والامكانيات والعلاقات والتحالفات؟؟ ما المنطلقات – سوء الفكرية أو السياسية أو الدينية، التي شكلت القاعدة الأساسية التي اعتمد عليها القرار اليميني؟
وللإجابة على هذه التساؤلات نحتاج الى سرد العديد من العوامل الأساسية والبارزة التي يمكنها تقديم مقاربة شبه كاملة لفهم وتفسير الدوافع والخليفات التي تحرك على أساسها الموقف اليمني.
  • الهوية الدينية:
يمثل البعد الديني دافعاً أساسياً للقرار اليمني المتخذ ضد العدو الإسرائيلي بشكل عام، فمن المعروف أن الشعب اليمني ما زال محافظاً على هوية دينية عامة؛ متمثلة بالقران الكريم والأسس العامة للإسلام، ولهذا؛ فمعظم الشعب اليمني  سوء في المناطق الحرة أو الخاضعة للاحتلال، بل وحتى ممن كانوا في صف التحالف خلال سنوات العدوان على اليمن  يرون أنه أذا لم يكن لأي يمني موقف تجاه الصلف والهمجية الصهيونية  ضد الشعب الفلسطيني؛ فهو مفارق للدين ، وهذا ما تحدث عنه قائد الثورة السيد عبد الملك بدرا الحوثي في خطابه الذي القاه في 29 جمادى الآخرة 1445هـ الموافق 11 يناير 2024 بمناسبة جمعة رجب والذي أكد فيه أن (موقفنا تجاه العدوان على الشعب الفلسطيني- كشعبٍ يمني- هو من أهم مصادق قول رسول الله “صلوات الله عليه وعلى آله”: ((الإِيْمَانُ يَمَانٍ))، شهداؤنا من القوات البحرية، في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، إسنادا لطوفان الأقصى وعلى طريق القدس، فازوا فوزاً عظيماً لنيل الشهادة في المعركة المباشرة، وأثناء اعتداء أمريكي مباشر، ونحن بذلك أكثر عزماً على مواصلة المشوار، واستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، ولن نتراجع عن ذلك، وموقفنا إيماني، وعلى الأمريكي أن يعرف ماذا يعني هذا.(
ولهذا؛ يرى معظم الشعب اليمني أن وقوفهم مع أشقائهم في غزة هي مسألة دينية ووطنية وقومية وإسلامية وإنسانية لا تقبل المساومة، وأن الواجب الديني يفرض عليهم الموقف بعض النظر عن التبعات والصعوبات التي ستفرض عليهم كأثمان لذلك الموقف وتلك المناصرة. كما يرون أن الحرب مع العدو الصهيوني المحتل لأرض عربية إسلامية، وهو نفسه العدو الحقيقي للإسلام والمسلمين وفقا لما ينطلق منه معظم اليمنيون في تعاطيهم وفهمهم للكثير من الحديث القرآني عن اليهود وعداوتهم الدائمة للإسلام والمسلمين التي ذكرها الله في الكثير من نصوص القران الكريم.
ولهذا يمكننا القول أن المشاركة اليمنية في مساندة غزة هي تعبيرا صادقا عن المفهوم الإسلامي للجهاد في سبيل الله المتحور في الأساس على دفع الظلم والدفاع عن المستضعفين، وهذا ما يتجلى من خلال البيانات التي ينشرها الجيش اليمني عن طريق الناطق الرسمي باسمه العميد / يحيى سريع فهي وإن كانت بيانات عسكرية إلا أن الخطاب ديني حاضر فيها وبقوة وخاصة من خلال الآيات القرآنية التي يتم الافتتاح والاختتام بها، وعلى هذا الأساس فالتحرك اليمني هو نابع من المنهجية الإسلامية في تشريع الجهاد كواجب مقدس يجب على كل مسلم بغض عن الإمكانيات والتحديات والتبعات.
يتبع
اليمن ومحور المقاومة قراءة تحليلية دوافع المناصرة اليمنية للشعب الفلسطيني (2)