اليمن ومحور المقاومة قراءة تحليلية دوافع المناصرة اليمنية للشعب الفلسطيني (2)

بقلم / عزيز قاسم 
استكمالا للمقال الأول الذي حاولنا فيه تقديم مقاربة واقعية عن الأسباب و الدوافع اليمنية في مساندة الشعب الفلسطيني بلا تحفظ أو خطوط حمراء، فيما يتعرض من إبادة جماعية على يد العدو الإسرائيلي والمدعوم عسكريا وسياسيا واقتصاديا من كل القوى الغربية لا سيما الولايات المتحدة الامريكية، وكما ذكرنا في الجزء الأول من المقال فقد كان الدافع الديني هو المحرك الأساسي للموقف اليمني، أما الدافع أو المحرك الثاني فيمكننا فهمه من خلال التعرف الدقيق على الهوية اليمنية ويمكننا تلخص هذه النقطة في الاتي:
  • الهوية:
ينفرد الشعب اليمني بسمات تُميزه وتُشكّل هويته، وهي عبارة عن مزيج من القيم والتعاليم الدينية،(هوية إيمانية) مع هوية عربية قائمة على القيم العربية الاصيلة كالنخوة والشرف، وكذلك عادات قبلية قائمة على الشرف والمروءة، وقد مثّلت القبيلة اليمنية عبر التاريخ إحدى أهم ركائز الهوية الحضارية والاجتماعية في اليمن، ولم تكن القبيلة مجرد إطار اجتماعي تقليدي أو بنية قائمة على العصبية والانتماء الضيق، بل تحولت بفعل الوعي الإيماني والارتباط العميق بالقيم القرآنية إلى حاضنة للقيم والأخلاق والمواقف الكبرى، وإلى قوة مجتمعية حافظت على أصالة اليمنيين وهويتهم في مواجهة مختلف مشاريع الاستلاب والهيمنة والغزو الثقافي والسياسي عبر العصور، وقد ارتبط اليمنيون منذ فجر الإسلام بعلاقة خاصة مع القرآن الكريم والرسالة المحمدية، حتى أصبح الوعي القرآني جزءاً أصيلاً من تكوينهم الثقافي والاجتماعي، وانعكس ذلك بصورة واضحة على طبيعة القبيلة اليمنية التي حافظت على منظومتها الأخلاقية وقيمها الأصيلة رغم التحولات والمتغيرات الهائلة التي شهدتها المنطقة، وفي ظل ما تواجهه الأمة اليوم من تحديات فكرية وثقافية وسياسية”. وهذا الهوية اليمنية شكلت واحداً من دوافع  المساندة اليمنية للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة بصورة رسمية وشعبية لا مثيل لها، باعتباره ينطلق، في هذا الموقف، من هوية جمعت بين  التزام ديني واستجابة لواجب النصرة في ظل تخاذل عربي معيب ومخز. “وتبيَّن ذلك بشكلٍ واضح في كل السنوات الماضية، في موقف شعبنا الواضح، والصريح، والقوي، والثابت، لنصرة الشعب الفلسطيني، وتمسكه بهذا الموقف بالرغم من كل الأحداث، والتحديات، والمخاطر، والمؤامرات من جانب الأعداء”.
  • التجربة الميدانية:
جرّب اليمن حرباً طويلة شنت عليه من قبل التحالف السعودي الأمريكي -الإماراتي، دمرت فيه المباني، وراح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، عرف اليمن خلال العدوان الطويل معنى تواطؤ الموقف الدولي، كما عرف اليمنيون معنى السكوت العربي عن المذابح والمجازر؛ خوفاً من انقطاع المساعدات المالية الخليجية، أو الخوف على مصير العائلات التي تعمل في شركات الخليج وأسواقه، كما عرف اليمنيون كذبة “القانون الدولي”، ولهذا نجدهم لا يهتمون كثيراً في تصريحاتهم بالحديث عن الأمم المتحدة أو غيرها من الهيئات الدولية.
  • الدوافع الاستراتيجية:
ترى القيادة اليمنية أن المشاركة المباشرة في الدفاع عن الشعب الفلسطيني -بما في ذلك المواجهة المباشرة مع تحالف العدوان الأمريكي والبريطاني – عامل مهم في معادلة صراع الأمة مع العدو الإسرائيلي الذي يُعد وفقا للحسابات الاستراتيجية قاعدة غربية متقدمة في المنطقة، ولهذا ترى القيادة اليمنية أن التصدي لرأس حربة الغرب في المنقطة بغض النظر عن موازين القوة وحساب الإمكانيات، لا يثبت فقط حضور اليمن كفاعل مهم، بل يركز الضوء على أن الأمة تمتلك الكثير من أسباب القوة التي تستطيع من خلالها تركيع الكيان؛ إن هي استخدمتها.
كما ترى القيادة اليمنية أن الاحتلال الإسرائيلي عبارة عن كيان وظيفي؛ غرسته الدول الاستعمارية الغربية لخدمة أهدافها الاستراتيجية في المنطقة، وأنه يمثل رأس الحربة في المشروع الغربي لتدمير المنطقة، ونهب خيراتها، ومنع استقراها ووحدتها، وبهذا فهي لا ترى أن ما تقوم به إسرائيل محدداً بغزة؛ بل المستهدف هي كل دول المنطقة، كما ترى بأن أي انتصار لإسرائيل يعني زيادة المخاطر والتهديدات الاستراتيجية ضد دول المنطقة جمعاء، ولهذا؛ فإن الدفاع عن غزة يعني الدفاع عن أمن واستقرار اليمن والمنطقة.
ولهذا يمكننا فهم عدم الرضوخ اليمني للتهديدات الامريكية، وما تلاها من عدوان أمريكي غربي على اليمن في 2024/2025، لكنه لم يغير الموقف اليمني اطلاقا.
والاغرب من كل ذلك  أن اليمن ذهب أبعد من حالة الدفاع، بالرد على العدوان الأمريكي الغربي بما في ذلك المواجهة العسكرية المباشرة مع القوى الغربية ليس في شكلها التقليدي البسيط، بل من خلال استراتيجية المواجهة الشاملة، وهذا الوضع العسكري لم تتعرض لمثله البحرية الامريكية الا زمن الحرب العالمية الثانية،  وهذا ما عكسته تصريحات الأدميرال براد كوبر، نائب قائد القيادة المركزية الأميركية، خلال حديثه عن المواجهات العسكرية في البحر الأحمر والتي قال فيها أنّ على المرء العودة إلى الحرب العالمية الثانية للعثور على معارك بحرية ذات حجم ونطاق مماثل، مشيراً إلى أنّ 7000 بحار يشاركون في القتال حالياً” بحسب وصفه.
يتبع
اليمن ومحور المقاومة قراءة تحليلية: إعادة رسم توازنات المنطقة (3)