اليمن ومحور المقاومة قراءة تحليلية: إعادة رسم توازنات المنطقة (4)
بقلم / عزيز قاسم
لم تكشف جولات المواجهة بين تحالف العدو الأمريكي البريطاني وبين الجيش اليمني خلال مراحل الاسناد اليمني لغزة، عن فشل التحالف الأمريكي الغربي في تغيير الموقف اليمني المساند لغزة فحسب، بل كشفت عن عجزه حتى في الحد من الضربات اليمنية.
فعلى الرغم من حجم العدوان وامكانياته العسكرية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، فقد استطاع اليمن إفشال كل ذلك وكسره، بل تعداه الى فرض نجاحات يمنية لافته، إذ استطاعت القيادة اليمنية تحقيق معظم الأهداف التي أرادتها من خلال عملياتها المساندة لغزة، جاء على رأس تلك الاهداف تمكن اليمن من منع الملاحة البحرية لكيان العدو الإسرائيلي بشكل كامل في البحر الأحمر والعربي وخليج عدن، وكذلك قدرته ليس فقط في التصدي للأساطيل الغربية في عسكرتها للبحر الأحمر، بل في تجاوزها ليتمكن من توسيع نطاق عملياته لتصل الى المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط بمسارٍ عسكري متصاعد امتدّ على خمس مراحل مختلفة.
فرضت معطيات الواقع الجديد على العالم إعادة قراءة ما يحدث في اليمن وفي المنطقة، إذ استطاعت القوات اليمنية من خلال معركة البحر الأحمر القضاء على كل التحركات البحرية لكيان العدو الإسرائيلي، وبددت الصورة النمطية عن الدولة العربية الخانعة والجاهزة نفسياً للهزيمة، بل أظهر اليمن عكس تلك الصورة تماما فقد زاد العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن من سخونة الأحداث في البحر الأحمر، كما نقل المعركة إلى طور جديد من المواجهة فارضا مساراً مختلفاً لعل أبرز عناوينه بأن ما يحدث هو في المقام الأول حرب الإرادات وفرض الهيمنة بين اليمن من ناحية، وبين العدو الأمريكي والقوى الغربية و كيان العدو الإسرائيلي من ناحية أخرى، فالهدف الأبرز الذي سعى له العدو الامريكي و حلفائه الدوليين اليه، يكمن في حماية الملاحة البحرية الصهيونية لتأكيد هيمنتها البحرية على أهم المضائق والمتسطحات المائية بما في ذلك باب المندب والبحر الأحمر.
بدوره اليمن يرى أنه ومن خلال إصراره على التصدي للعدو الأمريكي والبريطاني، يخوض معركة التحرر والاستقلال التي فرضت عليه من خلال الأدوات في المنطقة منذ ما يقرب من عشرات سنوات، بما في ذلك إثبات السيادة اليمنية وسريان قرار قواتها البحرية، وعلى وقع وطيس المعركة وحدة المواجهات تأكد للجميع بأن ما حدث في البحار اليمنية ليست مجرد مواجهة عسكرية فحسب، بل هي معركة جيواستراتيجية اهتز العالم كله على وقع صداها.
وعلى وقع ذلك الصدى استطاع اليمن رسم مسارين أساسين، قد لا يمكن لكل قوى المنطقة تجاهلهما أو القفز عليهما، تجلى المسارين الأول: في نجاح القوات اليمنية في التصدي للمشاريع الامريكية والغربية في المنطقة، وفي فرض معادلات جديدة من خلال قدرته على تنفيذ قرارته بمنع الملاحة التابعة كليان العدو الإسرائيلي، ثم نجاحه في التصدي للتحالف الأمريكي الغربي وعدم رضوخه لترهيب وترغيب العدو الأمريكي، ثم في قدرته على توسيع نطاق عملياته وكذلك في نوعية الاستهداف.
أما المسار الثاني فتجلى من خلال تأسيس اليمن لمرحلةٍ جديدةٍ من المقاومة قائمة على الفعل وليس ردة الفعل كما كان سائداً خلال المرحلة الماضية، فقد استطاع اليمن إيجاد معادلة مغايرة للمألوف أصبح اليمن في ظلها صاحب الفعل وليس ردة الفعل كما أصبح التحالف الأمريكي الغربي في موقع ردة الفعل بدلا من موقع الفعل، وبهذا المعادلة فرض اليمن نفسه خصماً عنيداً في مقارعة الهيمنة الدولية الخبيثة المتناقضة مع القيم والمبادئ الأخلاقية التي أصمت بها أذان العالم حين من الدهر.
اليوم وبعد جولات من المواجهة المباشرة بين اليمن و محور الجهاد و المقاومة، وبين التحالف الأمريكي الغربي، أصبح مؤكدا أن العدو فشل عسكريا واستخباريا بل وحتى استراتيجيا، بعد ما استطاع اليمن اليوم فرض نفسه شريكاً أساسياً في أمن الطاقة، وشريكاً في أمن طرق الملاحية، وشريكا في أمن استقرار الخليج بصفته أحد المقتدرين العسكريين فيه، وبأنه شريك في الأمن القومي العربي في قضية فلسطين” “ومن لا يدرك ذلك فليقرأ ما يقولوه الإسرائيليون عن الاقتدار اليمني”.
اليمن والتحديات المصيرية:
يجزم المتابع للشأن اليمني بأنه وعلى مدى أكثر من عشر سنوات وتحديدا منذ قيام ثورة سبتمبر من العام 2014م استطاع يمن الثورة اجتراح نجاحين أساسيين تمثل الأول: في افشال العدوان العبثي الذي قادته السعودية وبدعم كبير من الولايات المتحدة، بهدف منع اليمن الجديد أو ما بات يُعرف بيمن ثورة ال 21 من سبتمبر 2014م من وضع نفسه ضمن عناوين المعادلات الجيوسياسية، بل والبقاء كـ فاعل مؤثر في عموم معادلات الإقليم.
أما المعادلة الثالثة فجاءت على وقع التطور الكبير في المستجدات ، فقد استطاع اليمن بقيادته الثورية وتوجهه الثوري وانتمائه الإيماني المعادي والمناهض للعدو الصهيوني والأمريكي، استطاع الاستحواذ على نقاط القوة وتمكن من تحقيق معادلات ردع في مياه البحر الأحمر والبحر العربي والمضائق، فإن هذا الأمر سيكون بلا ريب عنواناً مفصلياً في معادلات الإقليم، وبمعنى أخر، فإن اليمن بات رقماً صعباً لا يمكن الالتفاف عليه في النظام الإقليمي الجديد رغم العدوان المتكرر عليه، كما أن معادلة المياه ستدخل في صلب المعادلات العربية الإسلامية، وستضع حداً للهلوسات الأمريكية والغربية المتعلقة بإخراج اليمن وانصار الله والحلفاء في هذا المحور من دائرة التأثير والفاعلية.
أما على مستوى محور الجهاد والمقاومة، فلا يخفى على ذي لب أن هناك وبشكل عام تطور واضح في مشروع المقاومة، لاسيما ما بعد السابع من أكتوبر وما بعد المعادلات البحرية التي استطاع اليمن فرضها، وكذلك بقية قوى محور الجهاد والمقاومة كحزب الله والجبهة العراقية وكذلك الاستهداف الإيراني المباشر للعدو الإسرائيلي، وما أفرزه ذلك من تشكيل محورا للجهاد والمقاومة كقوة إقليمية قادرة على إلحاق الهزيمة بالعدو الإسرائيلي والأمريكي، بل وإمكانية تجاوز ذلك مستقبلاً من خلال إفشال المشاريع الاستيطانية والاستعمارية وإحباط مخططات الهيمنة الأمريكية في المنطقة وصولا الى إجبارها على مغادرة المنطقة، وترك الساحة لكل قوى المقاومة والتحرر الوطني.