اليمن ومحور المقاومة قراءة تحليلية: النموذج الجديد في المواجهة (3)
بقلم / عزيز قاسم
شكّل الاسناد اليمني لفلسطين ضد العدوان الصهيوني على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر /تشرين الأول 2023وحتى الآن، عنصراً جديداً في معادلة الصراع العربي الإسلامي مع كيان العدو الإسرائيلي، كما أفرز واقعاً إقليمياً جديداً في بحار المنطقة، له تداعيات نوعية على معادلات القوة الدولية، وأفرز مواقف ومدافعات سياسية وعسكرية في المسرحين الإقليمي والدولي ستلقي بظلالها على نتائج الحرب والسلم في المنطقة، وستؤثر في مفاهيم وقواعد العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية.
في 18 ديسمبر2023؛ أعلن وزير الحرب الأميركي لويد أوستن، خلال زيارته لفلسطين المحتلة، عن تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات؛ أطلق عليه “حارس الازدهار” بحجة حماية الملاحة الدولية بحسب توصف وزير الحرب.
كشفت الاحداث فيما بعد أن الهدف الحقيقي للتحالف هو منع اليمن من مساندة غزة وحماية الملاحة التابعة لكيان العدو الإسرائيلي.
وفي 30 من ذات الشهر هاجمت البحرية الامريكية سفينة تابعة للبحرية اليمنية، واسفر ذلك عن استشهاد عشرة من أفراد تلك القوات، تلا ذلك وتحديدا في يناير/كانون الثاني 2024 شن الولايات المتحدة الامريكية وبمشاركة بريطانية عدوانا طال العشرات من المدن اليمنية في مقدمتها العاصمة اليمنية صنعاء.
العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن جاء مساندا لكيان العدو الإسرائيلي في عدوانه على غزة، التي أعلن اليمن مساندته لشعبها من خلال مطالبة كيان العدو الإسرائيلي وداعميه بالسماح بدخول الماء والغذاء والدواء لأهلها مقابل السماح للتجارة العدو الإسرائيلي بعبور البحر الأحمر، لكن الأمريكي استكبر على اليمن موقفه الإنساني الواضح، وبدلا من إلزام الكيان الإسرائيلي بتطبيق القانون الدولي في عدوانه وحصاره على غزة، أعلن الأمريكي عن تشكيل تحالف دولي ضد اليمن، وفي 12 يناير أعلن العدو الأمريكي عن استهداف اليمن بالعشرات من الغارات الجوية في انتهاك صارخ للسيادة اليمنية.
لتستمر المواجهة المباشرة بين الطرفين على مدى أشهر، وفي نهاية مايو 2024 تعرض اليمن لأعنف الغارات، بعدما شن تحالف العدوان الأمريكي البريطاني عددا من الغارات على العاصمة صنعاء ومحافظتي الحديدة وتعز، ما أدى إلى استشهاد وإصابة 58 مواطنا، وكردٍ على تلك الجريمة، ووفقا لما أعلنه الناطق الرسمي للجيش اليمني في 31 مايو فقد نفذت القوة الصاروخية والقوة البحرية في القوات المسلحة اليمنية عملية عسكرية مشتركة استهدفت حاملةَ الطائرات الأمريكية آيزنهاور في البحرِ الأحمر”.
النموذج الجديد:
قد لا يدرك الامريكيون أن اليمن يختلف عن كل البلدان التي حاربتها الولايات المتحدة الامريكية، فاليمن اليوم بحسب ما أكد عليه السيد عبد الملك الحوثي في كلمته التي القاها في الأول من فبراير 2024 بأن اليمن ليس مجرد دولة أو نظام يمكن أن تخوض عليه حربها، لأن حربها ستكون مع شعب بعقيدة دينية شعاره الجهاد وثقافته مقاومة الاستكبار، إذ إنّ تكوين هذا الشعب قائم على فكرة “العداء لقوى الشر في المنطقة أي الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي، وهو ما يعني أنّ المواجهة مع هذه القوى ليست حصراً على قرار صنعاء وقيادتها العسكرية فقط إنما تستند إلى أيديولوجية شعب بأكمله.
خلال الأشهر الأولى من المواجهة اليمنية الامريكية الغربية، أصبح واضحا لدى الجميع بما في ذلك الأمريكي ومن في صفه، أن هناك فشلا شبه شامل في قدرة التحالف الغربي على تحقيق أيا من أهدافه التي أرادها من خلال العدوان على اليمن، فعلى الرغم من القوة النارية للبحرية الأميركية، لكنها عجزت عن دفع اليمنيين الى ترك المساندة، وفي استهداف السفن المعادية في البحر الأحمر والعربي وخليج عدن بما في ذلك السفن الحربية الأميركية.
لا يقتصر الإنجاز اليمني على مراكمة النقاط في المواجهة المباشرة مع التحالف الأمريكي البريطاني لكنه تعدى ذلك الى إدخاله تطورا نوعيا في نوعية المواجهة من خلال استغلاله نقاط الضعف لدى العدو مع تركيزه بشكل شبه كامل على نقاط قوته حتى وإن كانت بسيطة بالحسابات العسكرية، لكنها استطاعت إحداث تغييرا خطيرا في المعركة وفي رسم مساراتها والتحكم بمجرياتها، ووفقا لمجلة “ذي ناشونال إنترست” الأميركية فإنّ ما يحدث في البحر الأحمر يُظهر كيف أحدث تطوير الصواريخ الأرضية المتنقلة والمضادة للسفن والطائرات من دون طيار الرخيصة ثورة في الحرب البحرية، تماماً كما فعلت حاملات الطائرات في القرن الماضي. لم تعد السفن القتالية السطحية، بما في ذلك حاملات الطائرات، قادرة على السيطرة المطلقة على البحار.
وبحسب المجلة فليس هناك احتمال كبير في أن تتمكن البحرية الأميركية، التي انضم إليها الحلفاء الأوروبيون في إطار عملية “أسبيدس”، من ابتكار حل عسكري نهائي للقضاء على هجمات اليمنيين بالصواريخ والطائرات من دون طيار. ونظراً إلى عدم وجود حل عسكري حقيقي، بدأت واشنطن بالفعل بالبحث عن صيغة دبلوماسية، حتى إنها تواصلت مع طهران للحصول على المساعدة في مفاوضات القنوات الخلفية. وهو ما تم في الأخير بعد أن توصل اليمن والعدو الأمريكي الى اتفاق بوساطة عمانية بموجبة تم فرض الانسحاب على الأمريكي من مشهد الحرب وترك كيان العدو الإسرائيلي يتلقى الضربات اليمنية.
يتبع
اليمن ومحور المقاومة قراءة تحليلية: إعادة رسم توازنات المنطقة (4)